Skip to content
أبريل 27, 2011 / najwa

تحالف بعض رجال الدين مع السلطة ضد الشعب

يكثر المنافقين والمتخاذلين و الكاذبين و السفاحين هذه الأيام. و لن تكون آخر مرة يحاول من يسمون نفسهم رجال دين ولهم مناصبهم، أن يتملقوا للسلطان و يخدعوا الناس ليشغلوهم عن الحق و الأمور المصيرية الهامة بأمور سخيفة و كاذبة ، و يتآمروا مع السلطان ليحاولوا إبقاء الشعب مشغول بالقشور الفارغة من المضمون و الموضوعية و يبقى متخلفاً فقيراً مخدوعاً..و قال محمد الأتاسي كلمة هامة هنا، لن تسمح لنا السلطة بقراءتها، لن نراها في الجرائد المسموحة ولن تسمع عنها. ولمن ليس عنده بروكسي ليكسر حجز القدس العربي، أقول ماذا تنتظر؟ عليك ثم عليك بالبروكسي! و ها أنا أنقل لكم المقال هنا الآن بما أنكم هنا، لكن أسرعوا بالبروكسي!  و هذا المقال السابق المذكور أيضاَ، و قد قمت بنشره أيضاً كاملاً أدناه.

عندما يكذب الشيخ البوطي على الله
محمد علي الأتاسي
2011-04-25


قبل عدة سنوات، نشرت دراسة في ملحق ‘النهار’ (14/11/2004) عن الشيخ البوطي وعلاقته بالسلطة السياسية في سورية، تحت عنوان ‘الفقيه والسلطان: الشيخ البوطي نموذجا’، تناولت فيها مكانة ودور الشيخ البوطي في حقل علماء الدين السوريين، وطبيعة العلاقات التي تربطه بالسلطة، وعرضت لبعض مظاهرالفكر النكوصي للشيخ البوطي مقارنة بالفكر الإسلامي المتنور الذي ساد أبان عصر النهضة، وعرجت في التحليل على المصالح الرمزية المتبادلة بين البوطي والسلطة وآلية اشتغال وأساليب كيل المدائح وإسباغ عبارات التبجيل والتعظيم من قبل الشيخ البوطي للرئيس حافظ الأسد وابنه الدكتور بشار.
 ولدقة الموضوع وحساسيته، حرصت وقتها على إيراد المراجع مع أرقام الصفحات بخصوص الاستشهادات التي استخدمتها من كتب وأقوال البوطي، ما عدا مقاربة وحيدة استخدمت فيها طريقه التحليل اللغوي وأوردت فيها سلسلة الصفات وعديد الكلمات التي يستخدمها الشيخ في خطبه ومقالاته لكيل المدائح للرئيس الأسد، من مثل (القائد الفذ/العبقري/المعين الذي لا ينضب/النهر الدافق/صاحب المواقف التي انبعثت عن إلهام رباني). ولضيق المجال ذكرت عنوان كتابه ‘هذا ما قلته أمام بعض الملوك والرؤساء العرب’، الذي وردت فيه هذه الألفاظ من دون ذكر لأرقام الصفحات التي أخذت منها.
بعد أيام قليله، جاء رد الشيخ البوطي، بطريقه غير معهودة منه في مثل هذه الحالات، على شكل مقال قصير في صفحة ‘قضايا’ في جريدة النهار (10/12/2004)، يتوقف فيه عند الجملة الوحيدة التي مرت في مقالي من دون الإحالة إلى أرقام الصفحات، لينفي بالمطلق ما ورد فيها، وليقسم بالله أن لا لسانه ولا قلمه تحركا بمثل هذه الألفاظ و’ليبرأ إلى الله’ من هذه الكلمات، على حد تعبيره. وألح علي في مقالته أن أنسب الألفاظ التي أرويها عنه إلى أماكنها من كلمات ألقاها أو بحوث كتبها. وختم متوعدا ومتحديا، أنه إذا لم يتح لي أن أفعل ذلك فإن ‘لكل حادث حديث’.
التبس علي الأمر بخصوص رد البوطي هذا، وتساءلت في نفسي ما الذي دهى الشيخ حتى يبرأ إلى الله من ورود هذه الألفاظ على لسانه، وكان يكفيه أن يرجع لكتابه الذي أحلت إليه في مقالتي، حتى يتأكد بنفسه أنها ألفاظه كما وردت على لسانه وبقلمه. يومها قلت لنفسي انه قد يكون للسن حقه أو انها فورة الغضب حلت بين البوطي وبين تدبر أمره والنظر بتمعن إلى ما هو موجود بين دفتي كتابه. طبعا، لم يكن من الصعب أن أرد عليه بعد يومين بمقال قصير في الجريدة ذاتها، ذكرت فيه العبارات وأرقام الصفحات التي احتوت هذه الألفاظ في مديح الرئيس الأسد. وأشرت إلى أن اعتراضي الرئيس على الشيخ البوطي بالنسبة إلى هذه الألفاظ لا يأتي من إنزاله الناس (والحكام) منازلهم في الحديث عنهم وإليهم بحسب ما يدعي، ولكن ينبع من محاولته في كثير من الأحيان التلاعب في المواقف ونفي ورود مثل هذه الألفاظ على لسانه، وهذا بالضبط ما كرره مجدداً في رده علي.
انتهى الأمر يومها عند هذا الحد، واستنكف البوطي عن كتابة رد على الرد بعد أن اسقط في يده. أما اليوم فإنني أجد نفسي مضطرا مع الاسف أن أعود من جديد لهذه الواقعة، على ضوء مواقف البوطي الأخيرة بحق المتظاهرين الذين خرجوا من المساجد السورية عموما، ومن الجامع الأموي في دمشق خصوصا، من أجل حرية بلدهم. وأنا إذ أعود لها فليس الهدف هو التشفي من البوطي، ولكن لأبين كيف أن الشيخ إذا كذب وقتها على الله وأقسم أغلظ اليمين في نكران ما تفوه به لسانه وأورده قلمه في مديح حكام سورية، فإنه يكذب اليوم على الله بحق دماء الشهداء ومن على شاشات التلفزيون وأمام ملايين المشاهدين، وهو يفتري على هؤلاء المتظاهرين الشباب متهما إياهم بأنهم ‘ينتعلون المساجد’ لمآربهم الخاصة، في حين أنهم، وكما سنبين في السطور اللاحقة، لم يترددوا في المخاطرة بحياتهم في سبيل حرية سورية وكرامتها.
للجامع الأموي في دمشق مكانة استثنائية في التاريخ الحديث لسورية عموما ولمدينة دمشق خصوصا، ويكفي في هذا المجال أن نذكر أن كبرى المظاهرات التي هزت البلاد خلال فترة الانتداب الفرنسي وصولا إلى فجر الاستقلال خرجت من أبواب هذا الجامع، كما دخلت من ذات الأبواب مواكب تشييع كبار القاده والزعماء الوطنيين في سورية، ومن على منابره خطب أهم علماء الدين في سورية. لذلك لم يكن عبثا أن تختار السلطة قبل عدة سنين الشيخ سعيد رمضان البوطي، وهو أشد المقربين من عائلة الأسد في صفوف رجال الدين، للخطابة والتدريس في الجامع الأموي، في حين منع عدد من المشايخ الدمشقيين المستقلين من أمثال معاذ الدين الخطيب من العودة مجددا للخطابة في هذا الجامع.
من هنا لم يكن عفويا أن يكون الرد الأولي للسلطات السورية في أعقاب نجاح ثورة تونس واندلاع الثورة المصرية، وقبل أن يتجرأ أحد في الشارع السوري على التحرك، هو في تنظيم مظاهرات تأييد حاشدة بتاريخ 15ـ02ـ2011 في محيط الجامع الأموي لاستقبال الرئيس السوري الذي نزل لأداء الصلاة بذكرى عيد المولد النبوي وكان إلى جانبه الشيخ البوطي. كما لم يكن عفويا أن يأتي رد الشباب من ذات البقعة الجغرافية وأن تنطلق أولى التحركات الشعبية الخجولة للثورة السورية بعد شهر في 15 آذار/مارس من محيط الجامع الأموي، وأن تليها أولى المظاهرات المنظمة من داخل حرم الجامع في صلاة الجمعة يوم 18 آذار، حيث اضطر خطيب الصلاة الشيخ البوطي أن يترك المنبر على صيحات المتظاهرين الشباب التي ارتفعت بالتكبير وبالهتاف للحرية. وقد أظهر فيديو على اليوتيوب لهذه الواقعة كيف كان البوطي يهرول هاربا وهو محاط بحراسه الذين يجهدون لفتح طريق له بين صفوف المتظاهرين المنادين بالحرية.
وإذا كانت البشائر العفوية الأولى للثورة السورية ما لبث أن ظهرت في 17ـ2ـ2011 بعد يومين فقط من حشود التأييد بعيد المولد النبوي، مع مظاهرة حي الحريقة بالقرب من الأموي التي اندلعت في أعقاب ضرب الشرطة لأحد المواطنين، ورفع فيها لأول مرة شعار ‘الشعب السوري ما بينذل’، فإنه يمكن اعتبار مظاهرات الأموي التي تلتها وانطلقت يوم الجمعة في 18 آذار وتوسعت في جمعة الغضب في 25 آذار، البداية الرسمية للثورة السورية، كما أنها أسست من حيث الشكل والمضمون لأغلب التحركات الشعبية التي بدأت فعليا في درعا في 18 آذار، ولم تلبث أن عمت سورية من أقصاها إلى أقصاها. ويكفي في هذا الإطار أن نشير إلى الشعارات التي أطلقها الشباب لأول مرة من تحت قبة النسر في حرم الجامع الأموي من مثل ‘الله سورية والحرية وبس’ أو’حرية، حرية’ لتنتشر من بعدها في أرجاء البلاد ولتصير أهم شعارات الثورة السورية التي راحت تتردد من القامشلي إلى حوران.
أما الشيخ البوطي في كل هذا، فيبدو أنه لم يغفر لهؤلاء الشباب أنهم أفسدوا عليه خطبة الجمعة، ولم يشف غليله أن معظمهم قد ضرب واعتقل على أيدي أجهزة الأمن، فراح في أحاديثه المتكررة على الأقنيه التلفزيونية السورية يحرض عليهم متهما إياهم بأنهم ينتعلون المساجد لمآربهم ولا يعرفون شيئا اسمه الصلاة وجباههم لا تعرف السجود وأنهم ينقادون لأوامر آتيه من الخارج ويحتمل أن تحركها أصابع صهيونية. أما دليل الشيخ البوطي على كل هذا، فهو أنه رآهم في باحة المسجد المفتوحة عندما خرج فنظر بوجوههم فوجد أنها ‘ليست وجوه صلاة، ومظاهرهم مظاهر أناس لا تتعامل مع المساجد بشكل من الأشكال’.
شكرا لافلام اليوتيوب لكونها في صلب هذه الثورة، ليس فقط لأنها تكشف حقيقة من نكل بأجساد الأحرار من قرية البيضا في بانياس، ولكنها أيضا تكشف كيف ينكل البوطي بعقول السوريين وضمائرهم، فأشرطة مظاهرات صلاة الجمعة في الجامع الأموي تظهر كيف أن المتظاهرين حوصروا داخل الحرم، وكيف كان رجال الأمن ينتظرونهم في الباحة الخارجية لينالوا منهم بالضرب والاعتقال. والسؤال البسيط هو كيف عرف البوطي وقرر، أن من في الباحة الخارجية هم من المتظاهرين وليسوا من رجال الأمن؟ ومن قال له أن جباههم لا تعرف الصلاة؟ ومن ثم من يشاهد فيديو هروب البوطي من حرم الجامع مطأطئ الرأس ومحاطا بعشرات من حراسه الشخصيين، سيدرك مباشرة استحالة أن يرى البوطي أي شيء خارج هذه الدائرة الضيقة، فكيف إذا بفراسة الوجوه والتمعن بالجباه على امتداد الصحن الخارجي للمسجد؟ أضف لذلك أن البوطي لحظة خروجه من حرم الجامع، كانت المظاهرة لا تزال مستمرة في داخله، فكيف تمكن الشيخ من رؤية المتظاهرين في الخارج؟
لقد احتج البوطي، وصال وجال، ضد مجموعة من الشباب متهما إياها بانتعال المسجد لأنها حاولت أن تجعل من صلاتها في هذا المكان ذي الأبعاد الرمزيه الهائلة، ومن ندائها أن ‘حي على الصلاة’ وأن ‘حي على الحرية’، رسالة إلى الشعب السوري بضرورة أن ينهض لنيل حريته واستعادة كرامته. لكن ذات البوطي قبل عدة أسابيع من هذا التحرك، لم يرف له جفن واعتلى المنبر خطيبا عندما أنزلت السلطة الآلاف المؤلفة من مؤيديها إلى المسجد الأموي في عيد المولد النبوي لتملأ قاعة الصلاة ولتحيط بالرئيس لحظة خروجه من الجامع هاتفة له ‘الله سورية بشار وبس’، وهو الشعار الذي تلقفه المتظاهرون منذ البداية وقلبوا محتواه.
ما يثير الأسى مع هذا الشيخ، الذي يعتبر المحاور الأول لصانع القرار في سورية وأكثر المشايخ قربا له، أنه لم يتوان لوهلة في حديثه للفضائية السورية عن اعتبار ان ما يجري الآن في سورية من اضطرابات مرتبط بمعركته القديمة لمنع عرض المسلسل التلفزيوني ‘ما ملكت إيمانكم’، وأن عرض هذا المسلسل في شهر رمضان وإساءته للقرآن أثبت رؤيته وحلمه بنزول كارثة على سورية وأغضب الله فعاقب البلاد بما تشهده اليوم من احتجاجات. أما عن هذه الرؤية فنكتفي هنا بإيراد بعض تفاصيلها الجهنمية كما وردت على لسان البوطي نفسه في مقابلة سبق له أن أعطاها قبل بدء الاحتجاجات لموقع ‘نسيم الشام’ المقرب منه:
‘ كل ما أملك أن أقوله انه كان بين يقظة ونوم، وكان الذي رأيته وباء نازلاً من السماء بمظهر مادي مرعب، ذي بقع سرطانية حمراء تبعث على التقزز والاشمئزاز، ومع هبوطه السريع نحو الأرض أخذت تنفصل منه حيوانات كثيفة وكثيرة طائرة راحت تنتشر وبسرعة فوق دمشق، وقد علمت أنها جراثيم لوباء خطير متجه للتغلغل داخل البلد’.
طبعا ما اعتبره البوطي تحققا لرؤيته العجائبية، لم يمنعه من الاستمرار في الخطابة من على منبر الجامع الأموي الكبير في قلب دمشق، ولم يوقفه عن لعب هذا الدور الخطير إلى جانب السلطة وبعض المشايخ المدجنين، وهو الدور الذي بالاستناد للقاعدة الفقهية ‘درء المفاسد قبل جلب المنافع’، لا يقوم بشيء آخر سوى إفراغ المطالب المشروعة للمتظاهرين من مضامينها السياسية، وإبقائها في إطار معيشي اجتماعي وديني محافظ. فإذا وضعنا جانبا إلغاء حالة الطوارئ، كون الجميع بما فيهم السلطة باتوا متوافقين على إلغائها، فان جل ما يطلبه البوطي وصحبه هو إلغاء منع النقاب وحرية إنشاء المعاهد الدينية والسماح بحرية العمل الدعوي ومحاربة الفساد. أما مطالب من مثل الانتخابات الحرة وتحديد عدد الفترات الرئاسية وفصل السلطات، فإنه لا مكان لها في قاموس البوطي وصحبه، لأن فيها شبهة الديمقراطية وحكم الشعب لنفسه، في حين أن البوطي كان قد كتبها وقالها مرارا وتكرارا ‘ان حكم الشعب لنفسه مخالف لحكم الإسلام، لأن الحاكم في الشريعة الإسلامية هو الله’.
المضحك المبكي في ما يجري اليوم في الشام القديمة وفي الجامع الأموي تحديدا، أن فراسة البوطي في وجوه المصلين وحقيقة إيمانهم، لم تعد تفيد بشيء في فرز الناس بين الصالح والطالح، بعد أن راحت السلطة ترسل صباح كل يوم جمعة عشرات الباصات من قوى الأمن باللباس المدني لملء حرم الجامع الأموي عن بكرة أبيه برجالها من المصلين الأشاوس ذوي العصي الكهربائية والأيادي الغليظة. أما البوطي فإنه صار مطمئنا الى أنه لم يعد هناك أحد قادر على تخريب صلواته وخطبته، لأنه بات من جديد بين أهله وأحبابه!’ كاتب سوري

الفقيه والسلطان (الشيخ البوطي نموذجاً)
محمد علي الأتاسي

الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي واحد من أهم الشخصيات الدينية الفاعلة في سورية، هذا إذا لم يكن أهمها وأكثرها نفوذاً وتأثيراً على الإطلاق لجهة

امتداد شبكة أتباعه ومريديه ورفعة موقعه في الحقل الديني الدمشقي وعمق العلاقة التي تجمعه بالسلطة السياسية القائمة في هذا البلد. وإذا كانت بعض الأدبيات الصحفية تعمد متسرعة إلى تفسير مكانة الشيخ ونفوذه في سورية بقربه من الرئيس الراحل حافظ الأسد وموقفه المناهض لتحرك “الإخوان المسلمين” المسلح في مواجهة السلطة، أوائل الثمانينات من القرن المنصرم، فإن من يتتبع للمكانة التي يتمتع بها هذا الشيخ لدى جمهور واسع من المؤمنين، بل ولدى جمهور التيارات الإسلامية المعادية لسلطة البعث بشكل خاص، يدرك أن المعادلة أكثر تعقيداً، وأن الشيخ هو أبعد بكثير عن فقدان نفوذه وهيبته بسبب موقفه المؤيد لسلطة سياسية قمعت بشدة تيارات الإسلام السياسي في بلدها. تريد هذه المقالة من خلال أخذها الشيخ البوطي نموذجاً أن تعرض لجوانب من علاقة رجل الدين برجل الدولة ولطبيعة المصالح والمبادلات الرمزية القائمة بين الطرفين. وستعرج على استعراض بعض سمات هذا الفكر الذي نما وازدهر في أحضان دولة تسلطية ترفع عالياً الشعارات العلمانية!

بحسب موجز السيرة الذاتية الذي يتصدر كتب البوطي فإنه ولد في العام 1929 في قرية جيلكا الواقعة في منطقة كردستان التركية، ووالده هو الملا رمضان البوطي أحد شيوخ المتصوفة. وصل البوطي إلى دمشق في العام 1933 برفقة والده وكان له من العمر أربع سنوات. أنهى دراسته الثانوية في معهد التوجيه الإسلامي بدمشق والتحق في العام 1953 بكلية الشريعة في جامعة الأزهر، وعيّن لدى عودته إلى سورية معيداً في كلية الشريعة في جامعة دمشق التي أوفدته للحصول على دكتوراه في أصول الشريعة الإسلامية من جماعة الأزهر. عيّن البوطي مدرساً في كلية الشريعة بجامعة دمشق في العام 1965 وتدرج في المناصب وكيلاً في الكلية، ثم عميداً لها وهو الآن يحتل منصب رئيس قسم العقائد والأديان في جامعة دمشق. نال البوطي حديثاً لقب شخصية العالم الإسلامي في الدورة الـ 18 لجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم، وهو بحسب ما تروج بعض المصادر الصحفية على رأس قائمة المرشحين لمنصب المفتي الأعلى للجمهورية السورية خلفاً للشيخ أحمد كفتارو المتوفي حديثاً

ينتمي البوطي إلى فئة من رجال الدين الدمشقيين الذين يعودون في نسبهم إلى أصول كردية وإلى عائلات دينية عرف عنها تأثرها بالصوف، ومن هؤلاء نجد أيضا مفتي سورية على مدى ما يزيد على الأربعين عاما الشيخ كفتارو. وقد حافظت هذه الفئة من رجال الدين على علاقة طيبة (حتى لا نقول أكثر!) مع السلطة الحاكمة وأبقت على مسافة واضحة من الإسلام السياسي وعلى رأسه حركة “الأخوان المسلمين”، لا سيما خلال فترة الصراع الدامي الذي تفجر بين السلطة والإخوان.

وخلال عقود ظل الإسلام الرسمي السوري ممثلا بوزارة الأوقاف ومجلس الإفتاء الأعلى وكلية الشريعة مخلصاً لمنهجه الذي يمكن تلخيصه بالحديث النبوي الذي طالما ردده مفتي الجمهورية الراحل الشيخ كفتارو عن الرسول، والقائل بأن “الإسلام والسلطان أخوان توأمان لا يصلح أحدهما بدون الآخر، فالإسلام أسّ والسلطان حارس، وما لا أس له ينهدم، وما لا حارس له يضيع” (رواه الديلمي عن ابن عباس). وإذا كانت هذه الفئة من رجال الدين الرسميين عملت جاهدة على منع احتكار تيارات الإسلام السياسي لمشروعية النطق باسم الدين، وظلت على رفضها المحق للعنف المسلح، وأبقت على الدوام شيئاً من المشروعية الدينية إلى جانب السلطة السياسية، فإنها في المقابل نالت من جانب هذه السلطة الكثير من التسهيلات التي سمحت لها بممارسة دورها الدعوي في المجتمع بدون عوائق أو ضغوط. ففي وقت جرى فيه التضييق على الكثير من المساجد وحلقات العبادة في سورية أبان أزمة الثمانينات الدامية، فإن مسجد أبو النور التابع للشيخ أحمد كفتارو في مدينة دمشق تحول من مسجد صغير وبسيط إلى مجمع ضخم من تسع طوابق يضم ثلاث كليات إسلامية ومعهدين ويستقبل ما يزيد عن 6 آلاف طالب من السوريين والأجانب. وعملاً بمنطق الوراثة (!) وتنفيذاً لوصية المفتي فإن الإشراف على هذا المجمع أنتقل من بعد وفاته إلى ابنه صلاح الدين كفتارو. أما الشيخ البوطي فوجد في كلية الشريعة في جامعة دمشق واجهة مؤسساتية رسمية تسمح له بممارسة دوره في الدعوة والتدريس، يضاف إليها دروسه الدينية وخطب الجمعة في العديد من جوامع دمشق والتي يحضرها الآلاف من أتباعه ومريديه. وقد سمح مرض كفتارو وتقدمه الطاعن في السن خلال السنوات الأخيرة، للبوطي بلعب دور مفتي الظل في الجمهورية السورية. فإليه مثلا كانت توكل مهمة إلقاء كلمة رجال الدين في حضرة الرئيس السوري الراحل في العديد من المناسبات الدينية والوطنية. وهو الذي أقام صلاة الجنازة على روحه وألقى كلمة رجال الدين في حفل تأبينه.

طبعاً يجب أن لا يفهم من كلامنا هذا أن نفوذ البوطي وتأثيره، قائمان فقط على دعم السلطة وتشجيعها له، فالشيخ سبق له أن بنى مكانة دينية ودنيوية داخل حقل علماء الدين الدمشقيين وبين جمهور المؤمنين، بفضل كتبه وأبحاثه ودروسه الدينية. ويعتبر كتابه “كبرى اليقينيات الكونية” الصادر في دمشق بعد أقل من عامين على هزيمة الـ 1967 والبوطي له من العمر أربعين عاماً فقط، واحد من أكثر الكتب نجاحاً ومبيعاً. هذا على الرغم، وربما بسبب، طابعه الغيبي المحافظ وفكره النكوصي المعادي لمجمل أطروحات الإصلاح الديني الذي أسس لها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في نهاية القرن التاسع عشر. وكأن في هذا الكتاب لحظة تأسيسية هامة لمنهج الردة على حركة الإصلاح الديني والتنوير، والذي انتشر وازدهر في أصقاع العالم العربي بعد هزيمة حزيران وفشل مشروع التحديث السلطوي.

بالإضافة إلى هذا الكتاب برز البوطي في بداية مشواره الفكري والدعوي من خلال عدة كتب سجالية مبسطة موجهة للجمهور الواسع حاول فيها الرد على بعض طروحات التيارين الماركسي والقومي، من مثل كتابيه “نقض أوهام المادية الجدلية” و “حقائق عن نشأة القومية”. وإذا كان البوطي قد ساجل تيارات سياسية وفكرية كثيرة، ابتداء من اليسار والليبرالية وانتهاء بالوهابية وبعض حركات الإسلام السياسي، فإنه ظل مع ذلك مخلصاً لتلك المدرسة في الإسلام السني الدمشقي التي تركز على الجانب الدعوي والتربوي وتأبى الدخول في متاهات العمل السياسي المباشر مع أنها تفتي وتنّظر وتبدي الرأي في كل أمور الدين والدنيا، وفي مقدمها السياسية.

لا يستقيم الحديث عن تأثير البوطي على عامة الناس في سورية والعالم العربي والإسلامي من دون الإشارة إلى الدور الهائل الذي يضطلع به التلفزيون في إيصال خطابه إلى عدد كبير من الناس. وتعود إطلالة البوطي الأولى على الجمهور من خلال التلفزيون السوري في برنامج حواري جمعه مع الكاتب الماركسي الطيب تيزيني وذلك في نهاية الثمانيات من القرن المنصرم، في زمن لم تكن فيه الفضائيات العربية قد غزت المنازل. وبسبب البراعة والتفوق اللذين ميزا البوطي عن خصمه التيزيني والنجاح الكبير الذي لاقته الحلقة في سورية فقد خصص التلفزيون السوري في مرحلة لاحقة وبأمر من الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد برنامجاً أسبوعياً للشيخ البوطي يطل من خلاله على جمهور القناة الأرضية السورية. وللبوطي اليوم، بالإضافة لبرنامجه هذا، سلسلة أحاديث تلفزيونية متنوعة تبثها قناة “إقرأ” وفضائيتي “الشارقة” و”الكويت”.

وللبوطي كذلك، موقع شخصي على الانترنيت ( http://www.bouti.com) يديره ناشره السوري “دار الفكر”، ويضم أرشيفاً موسعاً وغنياً لمقالاته ومحاضراته وخطب الجمعة التي يلقيها. وفيه قسم مخصص للإجابة عن أسئلة الناس وتصدير الفتاوي، وهناك كلمة يوجهها البوطي في نهاية كل شهر لزائري الموقع المتوفر أيضا للناطقين باللغات الإنكليزية والألمانية والفرنسية والتركية والفارسية والبشتونية.

البوطي والسلطة

إن علاقة التبادل الرمزي التي تجمع بين السلطة الدينية والسلطة السياسية أعقد بكثير من أن تفسر وفق منطق العلاقة القسرية في اتجاه واحد التي تجبر رجل الدين على تنفيذ وقول كل ما تطلبه منه السلطة السياسية. المعادلة أكثر تركيباً ولنقل أن السلطة في معركتها مع تيارات الإسلام السياسي في حاجة إلى دعم يأتيها من سلطة دينية تتمتع بحد أدنى من الصدقية وتكون قادرة على منازعة التيارات النضالية محاولة احتكارها المرجعية الدينية. في المقابل، لكي تتمتع السلطة الدينية بصدقية حقيقية لدى جمهور المؤمنين تمكنها من ممارسة هذا الدور، يجب عليها أن لا تمضي بعيدا في دعم وتأييد السلطة السياسية، لأن في هذا تأثيراً سلبياً على الصدقية التي تتمتع بها. لكنها في الآن نفسه في حاجة إلى تقديم شيء من فروض الطاعة والولاء لكي تنال ثقة السلطة السياسية، التي بدورها ستغض الطرف وتعطي التسهيلات حتى تمارس السلطة الدينية دورها وتصل إلى جمهورها. لكن لكي تستطيع السلطة الدينية أن تمارس فعلياً دورها هذا على جمهور المؤمنين، فإنها في حاجة إلى اعتراف الجمهور وإيمانه بها كسلطة دينية، وهنا موطن قوتها وضعفها في الآن ذاته.

في المحصلة فإن اختلاف طبيعة وآلية عمل كلا من السلطة السياسية والسلطة الدينية، يسمح للأولى بأن تحتكر العنف المشرعن وفقا لتعبير ماكس فيبر، في حين تحتكر الثانية السيطرة المشرعنة على الإدارة الدنيوية للنجاة الأبدية أو الما ورائية.

بناء على هذه التوازنات الدقيقة والمتأرجحة، يمكننا قراءة العلاقة التي جمعت الشيخ البوطي مع السلطة السياسية في سورية. فالبوطي كان السبّاق في كيل آيات المديح والإطراء، بل والإسراف فيها، لكنه حافظ على الدوام في ثنايا عباراته وجمله الإنشائية الرنانة على خيط رفيع من الالتباس والغموض، يتيح له احتواء تهجم المشككين في صدقيته والاستناد إلى هذا الالتباس المقصود، لإعادة تأويل كلماته وفق منظور إسداء النصح للسلطة بالحكمة والموعظة الحسنة. وسينتظر البوطي وفاة الرئيس حافظ الأسد وبرهة “ربيع دمشق” لينشر كتابه المعنون بـ “هذا ما قلته أمام بعض الملوك والرؤساء العرب” الذي يضم نصوص معظم الكلمات التي ألقاها أمام الرئيس حافظ الأسد والملك حسين بن طلال والحسن الثاني ملك المغرب، مضافاً إليها مقدمة يحاول فيها البوطي للمرة الأولى أن يرد عنه التهم بخصوص ممالأة السلطة، مدعياً أن همه في ما قاله لم يكن لا مداهنة الحكام ولا مداهنة الناس بل ابتغاء مرضاة الله. وسنجد في هذا الكتاب عبارات يصف فيها البوطي الحكام بأوصاف نورد منها على سبيل المثال: القائد الفذ والعبقري والمعين الذي لا ينضب والنهر الدافق وصاحب المواقف التي انبعثت عن إلهام رباني. لكننا نجد كذلك أن البوطي يسدي النصح للحكام سواء لجهة الرأفة بالناس والإفراج عن المعتقلين أو لجهة التشدد والصمود في مواجهة الضغوط الخارجية التي تستهدف في رأيه الإسلام والمسلمين.

لكن لا شيء يعبر بدقة عن تذاكي البوطي في علاقته المركبة مع الحكام سوى جوابه عما يسميه أغرب سؤال استنكاري واجهه في حياته ومفاده وفقاً للبوطي: لماذا انتابك الخشوع والبكاء وأنت تصلي صلاة الجنازة على فلان من الناس؟

وبالرغم من أن البوطي يمارس التقية ويعدل في كلام السائل مستخدماً تعبير “فلان من الناس”، فإن في جواب الشيخ المتشاطر الكثير من المستور ليس فقط بخصوص هوية المتوفي، ولكن بخصوص منهج تفكير البوطي وبنية خطابه المزدوج والمراوغ. ولتبين ذلك نقتبس من جواب البوطي الفقرة الآتية: “أنا، كأي مسلم صادق مع الله في إسلامه، قلما صليت على جنازة، إلا وخيّل إليّ أنني أنا الممتد في أكفاني داخل الصندوق الذي أمامي وأنتابتني من ذلك حال لا يعلمها إلا الله سواء عرفت الميت أم لم أعرفه. فكيف إذا كان هذا الميت من ذوي السلطة والمكانة الباسقة في حياته، يأمر فيطاع وينهي ويحذّر فينقاد له الجميع، وأنظر إليه، فإذا هو مجرد من سابق أبهته وسلطانه، عار من كل قدراته، قد ارتحل إلى الله ذليلاً صاغراً مجرداً إلا من أكفان عبوديته” (كتاب “كلمات في مناسبات”، 2004، ص34)

من الرابح؟

في ظل هذه العلاقة المركبة بين رجل السلطة ورجل الدين، قد يرد سؤال عمن هو الرابح الأكبر بين الطرفين؟

الأكيد أن رجل السلطة لا يمكن إلا أن يكون مرتاحاً لولاء وتأييد رجل دين بمكانة البوطي وأهميته، وهذا ليس فقط لما يملكه البوطي من شعبية تجيّر في النهاية لصالح السلطة السياسية، ولكن أيضاً لما يمارسه البوطي من نفوذ قادر على تحييد شرائح واسعة من الناس هي في طبيعة تكوينها الديني والاجتماعي حساسة لأطروحات الإسلام السياسي الطامح إلى السلطة.

أما البوطي فعدا زيادة نفوذه بفضل هامش الحرية الواسع الذي يملكه مقارنة بغيره، فإنه لا يمكن إلا أن ينظر بعين الرضا لتوسع المد الإسلامي, وإن كان هذا المد بقي محصوراً في جانبه الاجتماعي والثقافي، في ظل المنع المطلق الذي تمارسه الدولة السورية على كل أشكال التعبير السياسي للتيار الإسلامي.

لا بل أن الكثير من رموز “الإخوان المسلمين”، باتوا هم أيضا يغفرون للبوطي موقفه المناهض لهم والمؤيد للنظام خلال أزمة الثمانينات، ما دام الشيخ قد ساهم لاحقاً في تقوية المد الإسلامي داخل المجتمع السوري، والذي في المحصلة لا بد أن يصب في صالحهم، بحسب ما يعتقد الكثير من أعضاء هذه الجماعة.

ولتدليل على هذه الفكرة يكفي أن نقرأ ما كتبه أحمد بسام ساعي الأستاذ الجامعي في إنكلترا وأحد المقربين من جماعة الإخوان المسلمين السورية، وذلك في تقديمه للطبعة الثانية لكتاب البوطي “هذا ما قلته..”. يقول الساعي:

“لقد تركت سورية والمساجد تبحث عن مصلين، وعدت إليها بعد أكثر من عشرين عاماً والمساجد تبحث عن أماكن لاستيعاب جماهير المصلين الجدد، تركتها والشباب في المساجد هم القلة، وعدت لأراهم فيها الكثرة الكاثرة، تركتها وهي شبه خالية من الحجاب، وعدت لأراها شبه خالية من السفور. كيف كان لكل هذا أن يتحقق لولا فضل الله ونماذج إسلامية خيرة كالشيخ، آثرت الكلمة على الرصاصة ولغة الحكمة على الشتيمة ولين الخطاب على عنفه.. “. و يؤكد الساعي أن هذا الكتاب هو بمثابة براءة للشيخ البوطي، ويلتفت صوب أصدقائه في تيار الإسلام السياسي مخاطبا إياهم بالآتي: “لقد ظللتم عشرين عاماً تشتمون وتحتجون، وظل هؤلاء على مدى العشرين، يبنون ويعلون، وهاهو البناء وقد أوشك أن يكتمل، ولعل الله يكتب لكم أجر المشاركة في وضع اللبنات الأخيرة فيه”. (هذا ما قلته، 2002، ص 15)

لا نملك نحن اليوم أن نحدد بدقة طبيعة هذا البناء الذي بحسب الساعي أوشك أن يكتمل في سورية! لكننا سنعمد في السطور اللاحقة إلى تبيان البعض من ملامح هذا البناء كما يقدمها الشيخ البوطي من خلال كتاباته. وبعدها فقط سندرك كيف أن الخاسر الأكبر وسط هؤلاء الرابحين الكبار من دينيين وسلطويين هو الفكر النهضوي المتنور وحركة الإصلاح الديني والتيارات السياسية والفكرية المؤمنة حقا بالديموقراطية.

حاكمية الله

منذ بداية مشواره الفكري لم يخف البوطي انحيازه إلى المبدأ السلفي القائل بأن لا حاكمية في الدنيا إلا لله وفي هذا كتب الآتي: “إذا فالحاكمية إنما هي لله وحده، هو المشرع لعباده في شتى شؤونهم المتعلقة بدنياهم وآخرتهم وهو المرجع في كل مشكلة من مشاكلهم وإقامة تنظيم ودستور لحياتهم. ومن جحد ذلك فهو كافر بالله ورسوله وان ادعى بلسانه الإيمان بالله ورسوله وصلى وحج وصام”(كبرى اليقينات الكونية، 1970، ص 372). أما الفرق بين البوطي وكبار دعاة الحاكمية من أمثال أبو الأعلى المودودي وسيد قطب، فهو أن هؤلاء يكفرون المجتمعات بأكملها ويصفونها بالجاهلية، في حين أن البوطي يكفر الفرد الذي يجحد بمبدأ الحاكمية، لكنه لا يكفر مجتمعا ولا سلطة ولا يدعو للخروج عليهما، بل يصر في معظم كتبه على ضرورة البدء من الفرد في سبيل الوصول إلى المجتمع. وفي هذا يكتب “لما كان المجتمع هو الفرد المتكرر، فقد كانت صلاحية المجتمع وفقاً على صلاحية أفراده، قبل أن تكون وفقاً على صلاحية القوانين السارية في أنحائه” (الإسلام وتحديات العصر،1998، ص26).

لكن عدم تكفير الشيخ البوطي للمجتمع ككل، لا يعني أبدأ أن الشيخ ليس بقادر على تكفير طوائف بأكملها من هذا المجتمع. فمن غدا في ظل دولة البعث رئيساً لقسم الأديان والعقائد في جامعة دمشق لا يجد غضاضة في بداية مشواره الفكري في أن يحذر قارئه بالآتي: “حاذر أن تطوف بذهنك تلك اللوثة التي يعاني منها بعض الجهال المنافقين، ممن يزعمون أن أهل الكتاب مؤمنون، وأنهم فئة أخرى غير الكفار، فلا يعاقبون عقابهم ولا يخلدون في النار خلودهم. فإن هذا الزعم تحد صارخ لقول الله تعالى: إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية. فقد قسمت الآية الكفار إلى أهل كتاب ومشركين، ثم شملتهم جميعاً بهذا الوعيد العظيم.” (كبرى..، مصدر سابق، ص 366). والغريب أن الشيخ الضليع يتجاهل كلياً بديهية ورود حرف “من” بمعنى التحديد والتخصيص قبل أهل الكتاب والمشركين، حتى لا يفهم من الآية أن جميع أهل الكتاب هم المقصودين!

شتم شيوخ الأزهر

رغم أن الشيخ البوطي أزهري في تعليمه ونشأته، إلا أنه لم يتورع عن إنزال أقذع الشتائم في حق شيخ الأزهر الإمام الطنطاوي بسبب مواقفه المثيرة للجدل التي اتخذها من حول مواضيع إشكالية من مثل فوائد البنوك والعمليات الاستشهادية ومنع الحجاب في فرنسا. كان يمكن للبوطي أن يحفظ مقام شيخ الأزهر وأن يناقشه بالتي هي أحسن من حول المواضيع المختلف عليها كما أتقن أن يفعل ذلك مع الحكام وأصحاب النفوذ، لكن البوطي خرج عن طوره وراح يكيل الشتائم ويخون شيخ الأزهر، وكمثال على هذا نورد ما قاله في خطبة الجمعة بتاريخ 212004 : “ينصب في هذه المؤسسة من قد عاهد الشيطان أن يكون ولياً له لا ولياً لله عز وجل، ومِنْ ثَمَّ عاهد أعداء الله سرّاً ثم علانية أن يمزق كل ما يمكن أن يمزقه من مبادئ دين الله في كل مناسبة، أجل ذلكم هو الشيخ الذي نُصِّب للأزهر، نصب من قِبَلِ من بايع أعداء الله، بدلاً من أن يبايع الله سبحانه وتعالى”.

ويبدو أن للبوطي مشكلة مستعصية مع مشيخة الأزهر منذ أن حاول الأمام محمد عبده إصلاح المؤسسة الأزهرية، فهذه المحاولة يسميها البوطي “الوباء الإصلاحي” وهي في رأيه مؤامرة من الاستعمار الإنكليزي على الإسلام والمسلمين، ولهذا السبب و “في سبيل هذا الإصلاح جيء بالشيخ محمد عبده وأعطيت له مقاليد الأمر ليقوم بإصلاح شامل في ميدان الأزهر متبعاً الأساس الذي أوضحناه” (كبرى..، مصدر سابق، ص237). ولا ينسى البوطي أن يتهم الأمام محمد عبده بأنه “يكتب في أبحاث العقيدة على طريقة غريبة عجيبة يخرج فيها على إجماع المسلمين وبدهيات العقيدة الإسلامية الصحيحة” (كبرى..، ص237) وكل هذا بسبب قوله أن طير أبابيل وحجارة سجيل في سورة الفيل هي وباء الجدري، وتعريفه للنبي والرسول، بشكل مغاير لما أعتاد عليه البوطي. وفي ذات الكتاب يعرج البوطي بالنقد على عدة وجوه إصلاحية تبوأت سدة الأزهر من مثل الشيخ مصطفى المراغي والشيخ محمود شلتوت.

لا بل أن البوطي في كتاب آخر يتهم الإمام الأكبر محمد عبده بكتابة رسائل إلى جمال الدين الأفغاني “تحمل في طيها الكفر البواح الذي لا يحتمل أي ريب أو تأويل” (شخصيات استوقفتني، 1999، ص187). وطبعا فإن الأفغاني ينال بدوره من البوطي قسطا وافراً من التشكيك لكونه، بحسب البوطي، شيعياً إيرانيًا وليس كما يوهم أفغانيا سنياً وأنه ربما بهائي المذهب وأنه منتسب إلى أحد المحافل الماسونية في مصر وأن السلطان عبد الحميد الذي ينسب إليه البوطي إخلاصه لدينه وأمته وقضايا الإسلام في عهده، تحول عن الأفغاني عندما أدرك كل ذلك.

الأسلوب ذاته يتبعه البوطي أيضاً في التشكيك في معاصريه من الكتاب المسلمين المجتهدين، وإن كان لا يتنازل ويذكرهم بالاسم الصريح. فمثلا في مواجهة محمد شحرور ومؤلفه “الكتاب والقرآن، قراءة معاصرة”، لم يجد البوطي سوى إلصاق تهمة “الخلفية اليهودية” وتنفيذ “بروتوكولات حكماء صهيون” بمن يقول بشعار “قراءة معاصرة”. بل أن البوطي يلمح نقلا عن أستاذ جامعي ليبي أن هناك “إحدى الجمعيات الصهيونية في النمسا فرغت مؤخراً من وضع تفسير حديث للقرآن ثم أخذت تبحث عن دار نشر عربية تنهض بمسؤولية نشره، وعن اسم عربي مسلم يتبناه مؤلفاً له ودافعاً عنه” (هذه مشكلاتهم، 1999، ص247).

ويصل الأمر بالبوطي إلى الوشاية بشعار “قراءة معاصرة” وبصاحبه أمام الرئيس السوري حافظ الأسد خلال إحدى الموائد الرمضانية. فيخاطب الرئيس بالآتي: “كلنا ندعو إلى الاجتهاد، ولكن ما الموقف عندما تكون بوابة الاجتهاد مدخلاً إلى العبث بحقائق الإسلام وأحكامه، عن طريق ما يسمى اليوم بالقراءة المعاصرة! إننا نعلم يقيناً عندئذ أنها رياح تهديمية آتية إلينا من الغرب، ويجند لذلك أناس من أبناء جلدتنا هنا” (هذا ما قلته، ص99).

صعاليك الأدب

ودائما في إطار الوشاية، يعتبر البوطي أن المثقفين والأدباء السوريين الذين كتبوا بيانا ضد فتوى القتل بحق سلمان رشدي ما هم إلا من صعاليك الأدب، ويعمد متذاكياً إلى تحريض النظام عليهم والتشكيك في وطنيتهم ويقول في هذا المجال: “إن السيد الرئيس أعلن منذ أشهر، جواباً عن سؤال، أن رواية سلمان رشدي مجموعة شتائم وسباب، ولا تحوي شيئاً أسمه فكر أو علم، وأعلن قائلاً: إن سلمان رشدي لو كان عندنا لحاكمناه. ولكن فئة من صعاليك الأدب عندنا، أعلنوا نقيض ذلك! فقد كتبوا بياناً جماعيا ضمنوه تقريظاً للرواية وإعجابا بها، ودفاعاً عن سلمان رشدي. والسؤال هو: ها نحن قد تجاوزنا الولاء للمنطق والعقيدة والحضارة والتراث. فأين هو الولاء لهذا القطر ونظامه ورئيسه؟!” (هذه مشكلاتهم، ص235).

وفي سياق آخر فإن البوطي يوجه رسالة احتجاجية إلى وزير الثقافة المصري بسبب سماحه بإعادة طباعة رواية “وليمة لأعشاب البحر” للروائي السوري حيدر حيدر في مصر ويقول في هذا المجال: “إن رواية حيدر حيدر كانت مدفونة منذ ثمانية عشر عاما في قبر مظلم من القرف والاشمئزاز في سورية، تسامى فوق الالتفات إليها والاكتراث بها وعي الشارع السوري وحسه الثقافي، الذي كان ولا يزال يفرق ما بين الأدب الذي يجب أن تروّج سوقه، والبذاءة اللسانية التي تعبر عن مخبوءات الجزء السفلي من جسم الإنسان والتي تجب حماية الأدب وصالوناته منها، وحماية ساحة الحرية المقدسة من أن تقذرها أو أن تنتقص شيئا من أطرافها”(كلمات في مناسبات، ص30).

ومن تكن هذه حاله مع أدب وأدباء عصره فليس غريباً أن يرى بعدها في عميد الأدب العربي طه حسين شخصاً ذا ثقافة أدبية محدودة! يقول البوطي جازماً: “لا يجهل عالم باللغة والأدب تفوق مصطفى صادق الرافعي على طه حسين تفوقاً كبيراً في القوة البيانية والملكة البلاغية وعمق المعرفة بتاريخ الأدب العربي. ومع ذلك فإن سلم الشهرة العلمية نصب أمام طه حسين دون الرافعي. لأن الأول سخر ثقافته الأدبية المحدودة للأفكار الغربية الغريبة عن الإسلام، بينما سخر الثاني ثقافته الأدبية المعمقة الواسعة لما اقتنع به من الحقائق والمبادئ الإسلامية الغريبة عن الأفكار الأجنبية الوافدة” (هذه مشكلاتهم، ص234).

الإيمان بالجن

يعتبر البوطي أن وجود الجن أمرها معلوم بالضرورة من الإخبارات الإلهية ، وأن المسلمين أجمعوا على “أن الإيمان بوجود الجن من المستلزمات الأساسية للإيمان بالله عز وجل وأن إنكارهم أو الشك بوجودهم يستلزم الردة والخروج عن الإسلام” (كبرى..، ص280) ويعتقد البوطي أن المادة أو العنصر الذي وجد منه الجن هو اللهب الصافي الذي لا دخان فيه ويستند في ذلك إلى قوله تعالى: “وخلق الجن من مارج من نار”. والمارج هنا هو اللهب الصافي بحسب البوطي.

ويعتقد البوطي أن لا مناص للمؤمن من تصديق جلسات تحضير الأرواح إذا ثبت له ذلك بالحس والتجربة المشاهدة. لكن ما يقلق البوطي هو ادعاء هذه الأرواح أنها لفلان من الناس أو الأنبياء، فهذا الخبر يحتمل برأي البوطي الصدق والكذب، فكما “أن في الناس أشراراً دأبهم الكذب والتلاعب بعقول الناس، فإن في الجن أيضا كذلك، فمن أين لك أن الذي يناجيك أو يكتب لك جواب أسئلتك من قعر السلة، ليس شيطاناً مريداً جاء يلبّس عليك دينك ويلهو بمخادعتك ويلتذ بالكذب عليك” (كبرى، ص285)

وبالمناسبة فإن البوطي يعتقد بوجود أن “السحر موجود, والذين يلجأون إليه لإيذاء الناس كثيرون”، ولكنه يطمئن الجميع بأنه “لا يؤثر على الإنسان الملتزم بأوامر الله والمتجنب للمحرمات” (انظر موقع البوطي على الأنترنت)

في الختام

كان بودنا في إطار هذا العرض لأفكار وآراء الشيخ البوطي أن نتوقف قليلاً عند فهم الشيخ لحرية المرأة ودورها في المجتمع وللمساواة بينها وبين الرجل، لأن في آرائه من الغرابة ما يبز رأيه بخصوص الجن. سواء تعلق الأمر بالتسري بالنساء أو بـ “ضربهم ضربا غير مبرح” أو برفض أن تزيل المرأة الشعر من جسمها إلا إذا طلب زوجها منها ذلك أو تكاثر الشعر بشكل يتجاوز حدود العرف، وضرورة أن تتنقب الزوجة وتغطي وجهها إذا طلب منها زوجها ذلك لأن رغبته هذه هي رغبة شرعية لا يجوز مخالفته فيها. لكننا سنترك هذا لمقالات أخرى.

يبقى أن الغاية من هذا العرض لم يكن التجريح بالشيخ البوطي، ولكن تبيان أيّ شخصيات وأفكار تمخضت عنها الدولة القمعية بعد هذه السنين الطويلة من التبشير بالحداثة والتحديث السلطويين.

(نقلاً عن موقع “الرأي” السوري)

3 تعليقات

اكتب تعليقُا
  1. أنصارى / يوليو 15 2011 2:26 ص

    ربنا يسلم سوريا وأهلها من الفتن ما ظهر منها
    وما بطن.
    آمين
    جزاك الله خيرا

    • najwa / يوليو 15 2011 2:33 ص

      شكراً أنصارى..و ربنا يسلم مصر أيضاً و يسهل لها في تكملة طريقها للحرية و العدالة و الديمقراطية..نجاح مصر في ذلك يشحعنا و يفرحنا جميعاً..

  2. أنصارى / يوليو 15 2011 2:27 ص

    ثائر من مصر

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: